الشيخ عبد الغني النابلسي

217

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

صورته ، وهو اللّه تعالى لأنه ، أي من هو على صورته أحق به أن يبقى مظهرا له من غير قتل إذ هو سبحانه أنشأه ، أي خلقه له وما ظهر ، أي اللّه تعالى سبحانه بالاسم الظاهر الوارد في قوله تعالى : هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ [ الحديد : 3 ] إلا بوجوده ، أي وجود هذا القاتل المذكور فمن راعاه ، أي راعى القاتل من الناس فإنه إنما يراعي الحق تعالى ، لأنه الظاهر به كما أنه الباطن عنه والأوّل بغيبه والآخر بشهادته وما يذم الإنسان شرعا وعرفا لعينه ، أي لذاته أصلا وإنما يذم في الشرع والعرف الفعل منه فقط وهنا القتل الصادر منه مذموم لا هو في نفسه مذموم وإن كان حكم القتل أهدر دمه وصيره مذموما كله وفعله الذي صدر منه ليس عينه ، أي ذاته وكلامنا في وجوب احترام عينه ، أي القاتل ولا فعل إلا للّه تعالى خلقا وإيجادا . قال تعالى : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ ( 96 ) [ الصافات : 96 ] ، أي وعملكم ومع هذا ، أي كون الفعل للّه مخلوقا سبحانه ذم تعالى منها ، أي من أفعال العبد التي خلقها ما ذم وحمد منها سبحانه ما حمد كما ورد ذلك في الكتاب والسنة ولسان الذم من كل إنسان على جهة الغرض النفساني لشيء من ذلك مذموم عند اللّه تعالى . قال تعالى : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ( 59 ) [ يونس : 59 ] فلا مذموم عند المؤمنين إلا ما ذمه الشرع كما أنه لا محمود إلا ما حمده ولا مدخل للذم العقلي والمدح العقلي عند المؤمنين أصلا فإنّ ذم الشرع في كل ما ذمه إنما هو لحكمة يعلمها اللّه تعالى أو يعلمها من أعلمه اللّه تعالى بها ، وكذلك حمد الشرع فيما حمده وتخييره فيما خير فيه كما شرع القصاص في القاتل عمدا للمصلحة في حق المكلفين إبقاء لهذا النوع الإنساني في الحياة الدنيا وإرداعا ، أي زجرا للمتعدي حدود اللّه تعالى فيه ، أي في هذا النوع . قال تعالى : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [ البقرة : 179 ] باعتبار كف الناس عن القتل خوفا من القصاص إذا أقيم على القاتل ، فيحيا من لولا الكف من القادر على القاتل لقتل يا أُولِي الْأَلْبابِ ، أي أصحاب العقول الكاملة وهم ، أي أولو الألباب أهل لب الشيء ، أي خلاصته وزبدته فلهم خلاصة العقول وزبدتها الذين عثروا ، أي اطلعوا على سر النواميس ، أي الشرائع الإلهية والقوانين الحكمية ، وعلموا حكمها وخفايا معانيها . * * *